محمد أبو زهرة

94

المعجزة الكبرى القرآن

أجزاء الكلام ، ويلتئم بعضه ببعضه فتقوم له صورة في النفس فيتكلم بها البيان » ، وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفناه ، فقد علم أنه ليس المغرد بذرب اللسان وطلاقته كافيا في هذا الشأن ، ولا كل من أوتى حظا من بديهة حاضرة وعارضة كان ناهضا بحمله ومضطلعا بعبئه ، ما لم يجمع إليها سائر الشروط التي ذكرناها على الوجه الذي حددناه ، وأنى لهم ذلك ، ومن لهم به « 1 » : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] . وإن الشروط التي ذكرها في آنف قوله هو اختيار الألفاظ من ناحية معانيها ، وقوة تماسكها بعضها ببعض ، وأشار إلى أن الألفاظ قد تكون مترادفة في الظاهر ، ولكن عند التحقق في مرماها يكون الاختلاف ، وإن كان المعنى الجملي واحدا . وإن الناظر إلى أسلوب القرآن الكريم في الخطاب والبيان ، يجده مختلفا . فمثلا أحيانا يكون بالاستفهام والاستفهام أحيانا للتوبيخ ، وأحيانا للتقرير وأحيانا يكون للتنبيه ، والكلام يكون بإطناب لا حشو فيه قط ، ومعاذ اللّه أن يكون في كلامه تعالى ما يشبهه ، وفي الإطناب يكون تكرار القول ، وأحيانا يكون الكلام إيجازا ليس فيه إخلال ، وأحيانا يكون الكلام تهديدا تضطرب له القلوب وتفزع ، وأحيانا يكون توجيها يدعو إلى التأمل والفكر ، وأحيانا ببيان أحكام الحلال والحرام وتوجيه أنظار المكلفين إلى حكمها ، وكل ذلك في أسلوب متناسب مؤتلفة ألفاظه ، ومؤتلفة معانيه ، بحيث يتكون من الجميع صورة بيانية متناسقة في معانيها مؤتلفة في ألفاظها لا ينبو واحد منها في لفظ أو معنى ، بل يتآخى الجميع . التآلف في الألفاظ والمعاني 56 - التآلف في الألفاظ ، بألا تكون بينها نفرة في المخارج ، ولا نفرة في النغم ، بل يتلاقى نغمها ، وتسهل مخارجها ، فلا تكون واحدة نابية عن أختها ، بل تتآلف وتتآخى في نسق واحد ، بحيث لا تبدو واحدة بنطق غير مؤتلف مع نطق تاليتها ، أو كما قال الجرجاني في دلائل الإعجاز : « كل كلمة لقف مع أختها ، ولو حاولت أن تنزع كلمة لتضع مكانها في معناها ما ائتلف السياق ولا انسجم الأسلوب » ويقول في هذا الباقلاني في كتابه ( إعجاز القرآن ) : « واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب ، ليست له عشيرة تحميه ، ولا أهل بيت عصمة تفطن لما فيه ، وهو أدق من السحر ، وأهول من البحر . . وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح ، في

--> ( 1 ) رسالة الخطابي ص 37 .